تفسير سورة الجن من الآية( 18) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda




18 - (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) . يقرأ بعض المسلمين هذه الآية على الدوام في القرآن وفي الأذاعات ويتردّد صوتها في آذانهم ويرَونها مكتوبة على أبواب المساجد والجوامع بخط عريض بارز واضح ولكن للأسف لا يفهمون معناها ولا يعرفون مغزاها مع وضوح ألفاظها وتبيان مُحكماتها فهم عن فهمها غافلون وعن مقصدها لاهون. فتعال معي أيّها القاريء لكتابي هذا لنستفسر عن معناها والمقصود منها لكي نحظَى بالحقيقة ونكون على بصيرة من أمرنا والله يرشدنا إلى الصواب، فقد قال الله تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) ، فالمساجد معروفة عندنا وهي المعابد كالجوامع وغيرها ، ولكن ما المقصود من قوله تعالى (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) فهل هي خاصّة أم عامّة ، وهل يقصد بكلمة (أحداً) الصنم فيكون المعنى لا تدعو صنماً من الأصنام ، أم يقصد بها ملَكاً من الملائكة فيكون المعنى لا تدعو ملَكاً من الملائكة ، أو لا تدعو أحداً من البشر ؟ فما رأيك فيها وما جوابك عليها ؟ وأظنك أجبت بما هو الصحيح فتقول إنّها عامّة في كلّ مخلوق سواء حجراً كان أو بشراً أو ملَكاً .

لقد أصبت أيّها القاريء لكتابنا هذا لقد عرفنا هذه الكلمة وعرفنا معناها ، بقي أن نستفسر عن معنى قوله تعالى (فَلَا تَدْعُوا) ما المقصود بالدعاء لهؤلاء المخلوقين الذين هم مثلنا وليسوا خالقين ، فهل الدعاء خاص في شيء من الأشياء أم هو عام في كلّ شيء . وأظنك تقول في كلّ شيء . لقد أصبت الواقع لقد عرفنا معنى الآية والمقصود منها . والآن تعال معي لنذهب إلى قبور المشايخ والأنبياء والأولياء فتسمع كيف يدعون مع الله عشرات لا أحداً ولا أحاداً ، أُنظر إلى هؤلاء الذين يزورون قبور المشايخ كيف يدعون المشايخ ويسألون منهم حوائجهم وكيف يتبرّكون بقبورهم وينذرون لهم ويستعينون بهم عند قيامهم وقعودهم ويندبونهم عند شدائدهم ، ويذبحون لهم ذبائح النذور ويُبخّرون البخور ويوقدون عند قبورهم الشموع ويسكبون عليهم الدموع ، كحبّ الله يحبّونهم وبأنفسهم يفدونهم ، نسوا الله فأنساهم أنفسهم أُولائك هم الغافلون .
ثمّ إنّ الأنبياء والأولياء ليس في القبور مسكنهم ولا في المراقد مجمعهم بل في الجنان مع الملائكة يجتمعون وفي قصورها يتنعّمون ومن أثمارها يأكلون ومن أنهارها يشربون لا يسمعون من يدعوهم ولا يعلمون بمن يزور قبورهم . قال الله تعالى في سورة فاطر { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } ولكن الناس يظنّون أنّهم يسكنون القبور فلذلك يقدّسون قبورهم ويعبدونها من دون الله . قال الله تعالى في سورة آل عمران { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } يعني في السمّاوات في الجنان يأكلون ويشربون ، لأنّ النفوس حيّة تأكل وتشرب وتسمع وتبصر ، وما الأجسام إلّا قوالب لتكوين النفوس فإذا خرجت النفوس من هذه القوالب فلا حاجة فيها بعد ذلك فإنها تتمزّق وتكون تراباً .
والآن لنذهب إلى المساجد لنسمع ماذا يقولون وبأيّ نوع من الإشراك يتكلّمون وبأيّ إسم مع الله يدعون . أُنظر إلى ذلك الشيخ الجالس في المسجد ووجهه نحو القبلة وفي يده الكتاب المعروف بإسم "مفاتيح الجنان" وهو يقرأ في صحيفة 129 من الكتاب ويقول : "نادِ عليّاً مُظهر العجائب تجده عوناً لك في النوائب ، كلّ همّ وغمّ سينجلي بعظمتك ياألله بنبوّتك يا محمد وبولايتك ياعليّ ، ياعليّ ياعليّ أدركني بحقّ لطفك الخفي ، الله أكبر الله أكبر ، أنا من شرّ أعدائك بريء ، الله صمدي بحقّ إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ، يا أبا الغيث أغثني ، ياعلي أدركني ياقاهر العدوّ ياوالي الولي يامظهر العجائب يا مرتضى علي ياقهار تقهّرت بالقهر ياقهّار ياذا البطش الشديد أنت القاهر المهلك المنتقم القوي الذي لا يطاق إنتقامه ، وأفوض أمري إلى الله إنّ الله بصير بالعباد ، والاهكم إلاه واحد لا الاه إلّا هو الرحمان الرحيم ، حسبيّ الله ونعم النصير ، ياغياث المستغيثين أغثني يا راحم المساكين إرحمني ، يا علي أدركني يا علي أدركني يا علي أدركني ، برحمتك يا أرحم الراحمين". إنتهى.
أُنظر أيّها القاريء لكتابي هذا كيف استعان هذا الشيخ بالإمام علي وجعله عوناً له في الملمّات وذخراً عند الحاجات فأخذ يتخبّط في دعائه خبط عشواء ويخلط إسم علي بن أبي طالب مع إسم الله ، وصفاته مع صفات الله وجعل له القدرة على الأشياء كما لله القدرة ، أليس هذا هو الإشراك الصريح ، هذا وقد قال الله تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) .
والآن لنخرج من المسجد ونذهب إلى الأندية والمقاهي ونستمع ما يقوله المغالون لحب المشايخ والأيِمّة أنظر إلى ذلك الشاب الجالس على كرسي المقهى وهو ينشد ويقول بيت أبوذيّة :
عليَّ الدهر فَك بابَ وسدهَ .......... منايَ باتت بكَلبي وسدهَ
نخيت أهلِ الكسا الخمسة وستهَ ... تفكني ولا تشمتِ اعداي بِيَّ
أُنظر كيف غالى هذا الشاب في حُبّ الأئمّة وأخذ يندبهم لحلّ الشدائد ولم يندب خالقه ورازقه ومن هو قادر على كلّ شيء ، هذا وقد قال الله تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) .
وفي ختام المطاف إستمع إلى هذا الشاعر وهو يمدح الإمام علي فيقول ما هو مغالاة في وصفه:
إنْ قلتُ ذا بشرٌ فالعقلُ يمنعُني وأختشِي اللهَ مِنْ قولي هوَ اللهُ
أنظر كيف أخذ هذا الشاعر يغالي في وصفه كما غالت النصارى في المسيح فجعلوه إبن الله . ولا أريد أن أطيل عليك المقام فنذهب إلى مكان آخر لترى أعمالهم وتسمع أقوالهم وإشراكهم بل نكتفي بما ذكرناه والسلام على من اتبع الهدى .