تفسير سورة المزّمّل من الآية( 1) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :

http://quran-ayat.com/huda/
1 - كان النبي (ع) ينام في النصف الأوّل من الليل ويصلّي النوافل في النصف الآخر منه وبعد الصلاة يذكر الله بالتسبيح فنزلت هذه السورة :

(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) وأصلها المتزمِّل، فحُذِفت التاء لتسهيل الكلام ، والمعنى المتزمّل بثيابه للنوم ، أي الملتف بها . ومن ذلك قول امرئ القيس يصف قسّاً :
كأنّ أبانا في أفانين وَدْقِهِ كبيرُ أُناسٍ في بجادٍ مُزمّلِ
والبجاد ثوب مخطط .
2 - (قُمِ اللَّيْلَ) لقراءة القرآن (إِلَّا قَلِيلًا) من الليل .
3 - (نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ) أي من النصف (قَلِيلًا) .
4 - (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) على النصف . والمعنى : إجعل نصف ليلك لقراءة القرآن والنصف الثاني لنومك وراحتك ، وقسِّم النصف الذي تقوم فيه إلى ساعات فقم في أولّ الليل أربعاً منها وساعتين في آخر الليل ، أي وقت الفجر فيكون المجموع ستّ ساعات فإن أنقصت منها فلا بأس عليك وإن زدت عليها فلا مانع من ذلك ، ونم نصف الليل ، أي وسطه . وهو ندب خيار لا وجوب (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) أي فصّله تفصيلاً لكي يصغي إليه قومك . وقد سبق تفسير مثلها في سورة الفرقان عند قوله تعالى { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا }. وإنّما أمرَه الله تعالى أن يقرأ القرآن في أوّل الليل وفي آخره لأنّ الأصوات هادئة والنفوس ساكنة فتضغي إليه القلوب في ذلك الوقت وتنصت إليه الآذان فيكون وقعه أشدّ على السامع .
5 - (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) أي يثقل على المشركين سماعه ، لأنّه يسفّه أحلامهم ويبيّن أغلاطهم.
6 - (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) أي الأعمال الصالحة التي تقوم بها ليلاً وتنشئها في ساعاته (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) أي أشد تأثيراً على الناس (وَأَقْوَمُ قِيلًا) يعني وأعدل قولاً . والمعنى إن كلام الليل أحسن تأثيراً على السامع لأنّ الناس هادئة والأصوات ساكنة فاقرأ القرآن في ساعات الليل بصوت مرتفع لكي يسمعه المشركون فيؤمن بعضهم .
7 - (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) يعني إنّ لك نهاراً طويلاً يُمكنك التسبيح في ساعاته متى شئت واجعل ساعات الليل خاصّة لقراءة القرآن .
8 - (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) متى شئت (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) يعني وتدرّج إليه في العبادة تدريجاً حتّى ترتقي نفسك وتكون في علّيين . ومثلها في المعنى في سورة الحجر قوله تعالى { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }. فالتبتّل هو التدرّج في العبادة . ومن ذلك قول امرئ القيس :

تُضيء الظلامَ بِالعشاءِ كأنّها ..... منارةُ مُمسَى راهبٍ متبتّلِ
أي راهب متدرّج في العبادة . وقال الأعشى يصف فتاة :
لَها قَدَمٌ رَيّا سِباطٌ بَنانُها ..... قَدِ اِعتَدَلَت في حُسنِ خَلقٍ مُبَتَّلِ
أي تدرّجت في خُلق حسَن . وقال أيضاً:
مبتلةِ الخلقِ مثلِ المها ..... ةِ لمْ تَرَ شَمْساً ولا زَمْهَرِيرَا
والمعنى : إن شئت أن تصلي نوافل أو تسبيح فاجعل ذلك في النهار واجعل أوقات ليلك لقراءة القرآن ، فإنّنا لم ننزل عليك القرآن لكي تُشغل نفسك بالصلاة بل لتنذر الناس بقراءته لكي ينصتوا إليه ويؤمنوا . وممّا يؤيد هذا قوله تعالى في سورة طا ها {طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} .9 - (رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) لك يا محمد ، أي حفيظاً .
10 - (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ) من تكذيب وسخرية (وَاهْجُرْهُمْ) بعد أن أنذرتهم (هَجْرًا جَمِيلًا) يعني ستكون عاقبتك جميلة بعد الهجران . فهاجر النبيّ إلى المدينة فكانت العاقبة جميلة وانتصر عليهم .