تفسير سورة المدّثر من الآية( 11) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda/



11 - جلس النبيّ في المسجد وأخذ يقرأ {ح م تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ...} إلى آخر السورة ، وكان الوليد بن المغيرة قريباً منه يسمع قراءته ، فلما فطن النبيّ لاستماعه أعاد قراءة السورة فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه فقال : والله لقد سمعتُ من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن وإنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة وإنّ أسفله لمغدق وإنّه ليعلو وما يعلو عليه . ثمّ قال أتزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق ؟ فقالوا لا ، قال وتقولون كاهن فهل رأيتموه يتكهّن ؟ قالوا لا ، قال وتقولون شاعر فهل رأيتموه يتعاطى الشعر ؟ قالوا لا فما تقول أنت فيه ؟ ففكر قليلاً وعبس وجهه وقال : ما هو إلّا ساحر أما رأيتموه يُفرق بين الرجل وأهله وولده ؟ ففرحوا بقوله وتفرّقوا مُتعجّبين منه . فنزلت فيه هذه الآيات :

(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) يعني حين ولدته أمّه كان وحيداً لا مال له ولا زوجة ولا أولاد ثم أعطاه . والمعنى : دعني أنا أكفِك شرّه وأنتقمْ منه جزاءاً لتكذيبه .12 - (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا) أي كثيراً فيه منافع كثيرة ،
13 - (وَبَنِينَ شُهُودًا) أي حاضرين معه يشهدون مجالسه وهم عشرة ، آمن منهم ثلاثة .
14 - (وَمَهَّدتُّ لَهُ) أمور معاشه (تَمْهِيدًا) ،
15 - (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ) له في ماله وأولاده ،
16 - (كَلَّا) لا أزيد بل سأهلكه وأبعثر أمواله (إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا) أي معانداً متكبرّاً .
17 - (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) أي سيلقى الإرهاق والمشقّات والتعذيب من اليوم فصاعداً . وكذلك بعد موته يجعل طريقه صعوداً إلى الطبقة الغازيّة القاتلة . وقد سبق تفسير مثلها في سورة الجن وهي قوله تعالى { وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا }.
18 - (إِنَّهُ فَكَّرَ) في أمر القرآن (وَقَدَّرَ) فيه تقديراً باطلاً ،
19 - (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) يعني قاتله الله على تقديره هذا، والمعنى سيهيّء له من يقتله ،
20 - (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) يعني ثم يعذّب بعد قتله ،
21 - (ثُمَّ نَظَرَ) في طلب ما يدفع به القرآن ويردّه ،
22 - (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ) أي عبس وجهه وتغيّر لونه فصار وجهه كلون البُسر أحمر مُكمد ، وهو التمر قبل نضوجه . ومن ذلك قوله تعالى في سورة القيامة { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } . والشاهد على ذلك قول امرئ القيس يصف نخلاً :

سَوَامِقَ جَبّارٍ أثِيثٍ فُرُوعُهُ ..... وَعالَينَ قِنْوَاناً منَ البُسْرِ أحمَرَا
وقالت الخنساء:
إذَا مَا الضيقُ حلَّ الَى ذراهُ ..... تلقاهُ بوجهٍ غيرِ بسرِ23 - (ثُمَّ أَدْبَرَ) عن الإيمان (وَاسْتَكْبَرَ) على رسولنا ولم ينقاد للأسلام ،
24 - (فَقَالَ إِنْ هَـٰذَا) القرآن (إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) أي يقع أثره في النفوس ،
25 - (إِنْ هَـٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) .
26 - فقال الله تعالى متوعّداً إيّاه (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) يعني سيصلَى نارَ سقر ، وهي إحدى الشموس الكبيرات الاحجام، وهي النار التي توعّد الله بها الكافرين .
27 - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ) وهذا تعظيم لشأنها وشدّة حراراتها وسعة قطرها . ثم بيّن بعض صفاتها فقال تعالى :
28 - (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ) أي لا تبقي أحداً في الفضاء إلا جذبته إليها ولا تترك شيئاً حولها إلّا أحرقته بحرارتها .
29 - (لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ) أي تلوح اليوم للناس من بعيد فيرونها كأنها نجمة من النجوم وذلك لبعدها عنهم . ومن ذلك قول عنترة :

ورمحي السمهريّ له سنانٌ ..... يلوحُ كمثلِ نارٍ في يفاعِ
وقال حسّان :
وأسمرَ كلّما رفَعتْه كفّي ..... يلوحُ سنانُه مثلَ الهلالِ
وقال الأعشى:
قالتْ سُميّةُ إذْ رأتْ ..... برقاً يلوحُ علَى الجبالِ30 - (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) أي عليها تكليف حمل تسعة عشر كوكباً سيّاراً . وذلك لأنّ شمسنا الحاليّة إذا انتهت حياتها وبرد وجهها تنفجر وتكون تسع عشرة قطعة ، ثم تكون تلك القطع كواكب سيّارة ، أي أراضي جديدة تجذبهنّ سقر إليها فيَدُرْنَ حولها وتصبح مجموعة شمسية جديدة غير مجموعتنا الحالية . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم {يوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}. وقد شرحت عن هذه الآيات في كتابي الكون والقرآن شرحاً وافياً. ولكن المشركين ظنّوا أنّ عدد الملائكة التي على جهنم تسعة عشر فسخروا من قلّتهم.
-----------------------------------