تفسير سورة الأعلى من الآية( 1) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :


1 - (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) أي العالي فوق كلّ شيء ، فالله جلّت عظمته فوق العرش ، والعرش فوق الكرسي ، والكرسي هو السّماوات الأثيرية السبع التي تسكنها الملائكة ، والكرسي فوق الطبقات الغازية ، وهذه الأخيرة فوق الأرض ، ولا يعلم المسافة بين سماء وأخرى إلا الله .

وقوله ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ) أي اذكره في صلاتك وفي غيرها وقل "سبحان ربّي الأعلى وله الحمد" . وقد سبق الكلام عن العرش و السماوات في كتابي الكون والقرآن بالتفصيل .
2 - (الَّذِي خَلَقَ) الخلق (فَسَوَّىٰ) يعني فأتقن خلقهم وأحكم صنعهم وساوى بين أعضائهم وحواسّهم فلا عين أكبر من الأخرى ولا يد أطول من الأخرى بل متساوون في الطول والمتانة .
3 - (وَالَّذِي قَدَّرَ) لهم أسباب المعيشة والحياة (فَهَدَىٰ) يعني فهداهم إليها بما ركّب فيهم من عقول وغرائز .
4 - (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ) من الأرض ، وهو كلّ نبات ترعاه الأنعام والدواب .
5 - (فَجَعَلَهُ) بعد الخضرة (غُثَاءً) أي يابساً متهشّماً. "الغثاء" كلّ ما يحمله ماء النهر من قشٍّ وعيدان وقصب وغير ذلك (أَحْوَىٰ) أي حاوياً مواد غذائية جيّدة للأنعام والحيوان ومُشبعة له ، وطبيّة للأنسان وشافية له . وكلمة "أحوى" معناها إدّخَرَ فيها ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {إلّا ماحملت ظهورها أو الحوايا} . والحوايا هي المباعر التي تحوي تِفل الكلاء ، والشاهد على ذلك قول البعيث المجاشعي :

إذا أيسرتْ مِعزى عطيّةَ وارتعَتْ ..... تِلاعاً من المرّوتِ أحوَى جميعها
أي أشبع جميعها وغذّاها. والمروت نوع من النبات . وقال عنترة يخاطب رجلاً طلّق زوجته :
فَقَدتَ التي بانتْ فبِتَّ مُعذَّباً ..... وتلكَ احتواها عنكَ لِلبينِ هودَجُ
يعني حواها الهودج فأبعدها لأنّها ركبت فيه . وقال عنترة :
حوَى كلّ حُسنٍ في الكواعبِ شخصُها ..... فليسَ بها إلّا عيوبُ الحواسِدِ
ولاتزال هذه الكلمة مستعملة عندنا في العراق .6 - (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ) أي سيتلو عليك جبرائيل من القرآن فتحفظه ولا تنساه .
7 - (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) أن ينسيك بعض الآيات كي لا تتلوها على قومك لأنّها خاصّة بك دون قومك ؛ (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ) من القول (وَمَا يَخْفَىٰ) في الصدور من أسرار .
8 - (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ) يعني ليُسْر الناس وإسعادهم ، لأن الأنبياء مسيّرون ، والناس مخيّرون .
9 - (فَذَكِّرْ) بالقرآن ، يعني عِظ الناس به (إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ) يعني لمن تنفعه الموعظة . ومثلها في سورة ق قوله تعالى {فذكّر بالقرآن من يخافُ وعيد} .