التحريم من الآية( 10) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
10 - (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) في كفرانهم نعمة ربهم وعبادتهم لغيره (امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ) اي كامرأة نوح في خيانتها لزوجها وكفرانها نعماءه وإبدالها الخيانة له بالنعمة منه عليها . وكذلك امرأة لوط خانت زوجها ولم تشكر فضله عليها بل قابلت ذلك بالخيانة والعصيان (كَانَتَا تَحْتَ) نكاح (عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) وهما نوح ولوط (فَخَانَتَاهُمَا) أي خانتا زوجيهما (فَلَمْ يُغْنِيَا) نوح ولوط (عَنْهُمَا) أي عن زوجاتهم (مِنَ) عذاب (اللَّهِ شَيْئًا) يعني لم يدفع نوح ولا لوط عن امرأتيهما شيئاً من العذاب (وَقِيلَ) للمرأتين الخائنتين بعد موتهما (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) أي مع الكافرين الذين دخلوا النار بسبب كفرهم .

وهذا مثل ضربه الله تعالى فيمن يأكل رزقه ويعبد غيره فشبّهه بالمرأة الخائنة التي تأكل طعام زوجها وتزني مع غيره ، على أنّ زوجها كريم النفس حسن الأخلاق لا يؤذيها ولا يهينها ولا يبخل عليها بشيء ، فإن كسرت إناءً أو أتلفت شيئاً من متاعه لا يعاقبها عليه بل يسامحها به ، وإن طلبت منه شيئاً أحضره لها ، فله عليها من النعم ما لا تحصى ولا تعد ، ولكنها ناكرة للجميل شاخصة ببصرها إلى من هو دونه من الناس ، تابعة هوى نفسها ، فمثل هذه الخائنة لا تستحق الغفران بل تستوجب العقوبة والخسران . فهذا مثل من يأكل زرق الله ويشرك معه المخلوقين في العبادة والتقديس .
ولقد جاء في مجموعة التوراة كثير من هذه الأمثال التي يجعل المشرك فيها كالزانية التي تترك زوجها وتزني مع غيره . فقد جاء في سفر إرميا في الأصحاح الثالث ما يلي: "إذا طلّق رجل امرأته فانطلقت من عنده وصارت لرجل آخر فهل يرجع إليها بعد ؟ ألا تتنجس تلك الأرض نجاسة ؟ أما أنتِ فقد زنيتِ بأصحاب كثيرين ، ولكن أرجعي إليّ يقول الربّ ، إرفعي عينيك إلى الهضاب وأنظري أين لم تضاجعي ، في الطرقات جلستِ لهم كأعرابي في البريّة ونجّستِ الأرض بزناكِ وبشرّكِ108 فامتنع الغيث ولم يكن مطرٌ متأخرٌ ، وجبهة امرأة زانية كانت لكِ ، أبيتِ أن تخجلي ، ها قد تكلّمتِ وعملتِ شروراً واستطعتِ . وقال الرب لي في أيام يوشيّا الملك : هل رأيتَ ما فعَلَت العاصية إسرائيل ؟ إنطلقت إلى كلّ جبل عالٍ وإلى كلّ شجرة خضراء وزَنتْ هناك109 فقلتُ بعد ما فعلَتْ كلّ هذه إرجعي إليّ ، فلم ترجع فرأت أختها الخائنة يهوذا ، فرأيتُ إذ إنّه لأجل كلّ الأسباب إذ زنت العاصية إسرائيل فطلّقتُها وأعطيتُها كتاب طلاقها لم تخالف الخائنة يهوذا أختَها بل مضتْ وزنتْ هي أيضاً ، وكان من هوان زناها أنّها نجّست الأرض وزنت مع الحجر ومع الشجر ، وفي كل هذا أيضاً لم ترجع إليّ " .
هذا ما كان من بني إسرائيل من إشراك، وقد قال النبيّ (ع) : "ستحذون حذوهم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل." وقد أصبح أكثر المسلمين مثلهم في الإشراك كما أخبر به رسول الله ، ولا أقول عبدوا الأصنام ولكن جعلوا لله أنداداً فعبدوهم من دون الله ، عبدوا قبور الأئمة والمشايخ كما عبدت النصارى المسيحَ وأمّه ، عبدوا قبور الأنبياء والأولياء وسجدوا لها وطافوا حولها ، نذروا لها وتبرّكوا بتربتها ، ذبحوا القرابين لهم وبخّروا البخور في أضرحتهم ، سألوا من الأولياء حوائجهم وتركوا الله خالقهم ، أكثروا من ذكر أئمتهم واستعانوا بهم في قيامهم وقعودهم ونسوا الله في ذاكرتهم، فرحوا في أعيادهم ومواليدهم وزغردوا وصفّقوا وطبّلوا وأغاظوا الله ربّهم ، غالَوا في حبّهم ونسبوا كل خير جاء منهم وببركتهم ، وصدّوا وجوهم عن الله خالقهم ورازقهم .
والآن إرجعوا يا أمة محمد إلى ربِّكم بالتوبة واتركوا عبادة القبور ولا تشركوا بالله شيئاً لكي يعفوَ عنكم ويصفح عمّا مضى من آثامكم ، ويفي لكم بوعده الذي وعدَ به نبيكم ، فيظهر على سائر الأديان دينكم ، وفوق الأيدي تكون أيديكم ، وأكثر خيرات الأرض تكون خيراتكم ، ويزيد في أموالكم ونسلكم ، وهو القادر على ذلكم .
ولعلك تقول أنّ بني إسرائيل عبدوا الأصنام وهي أحجار منحوتة ، وإننا لم نعبد الحجر بل الذهب والفضة التي في مراقد الأئمة . فأقول لك أيها القاريء لكتابي هذا لنسافر معاً أنا وأنت إلى إيران إلى قرية تُسمّى "قدم كَاه" تقع بين طهران وخراسان ، وقد وصلنا إليها فلنذهب إلى المزار الذي فيها ، أنظر هذا الصحن الكبير والقُبة الضخمة والرواق الواسع والقناديل المعلقة والسجاد المفروشة فهل ترى في المكان مرقداً يزار أو قبراً موجوداً أو شباكاً منصوباً ؟ كلّا لا هذا ولا ذاك ، إذاً فأين المزار ؟ سأريك ماذا يعبدون في هذا الرواق الواسع تعال معي إلى جهة اليسار إلى هذا الجدار وانظر إلى هذه الصخرة الصفراء كأنها الكهرب في لونه وصفائه المبنيّة في الجدار والتي طولها نصف متر أو أقل من ذلك وقد نحتوا فيها أقدام إنسان يزعمون أن عليّ بن موسى الرضا وقف على هذه الصخرة فرسخت قدماه فيها . فليس في المكان سوى هذه الصخرة المبنيّة في الجدار وهو يقبلونها ويتبركون بها ويمسحون عليها بأيديهم ثم على وجوههم تبركاً بها . فقد عبدوا الصخرة كما عبد بنو إسرائيل البعل ، وقد جعلوا لها إسماً فسموّها "قدم كَاه" كما جعل بنو إسرائيل إسماً للصنم فسمّوه بعلاً . وهذه واحدة من أنواع الإشراك وأنواع الأوثان التي أصبحت تُعبد مع الله . وما الغاية من هذا كله ؟ الغاية هي تحصيل الأموال من الزائرين . فمثلهم في ذلك البناء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتاً . فإن العنكبوت تتّخذ بيتها مصيدة تصيد فيه الحشرات ، فكذلك الذين يبنون الأوثان يتّخذونها لكسب المال من الزائرين .
وقد قال لي أحد المسافرين إلى تركيا إنّ في المتحف صخرة أيضاً يزعمون أن حمار المسيح وطأها فرسخت حافر الحمار في الصخرة .

http://quran-ayat.com