رأيتُ ميل النفس إلى الشهوات زائد في المقدار , حتى إنها إذا مالت مالت بالقلب والعقل و البدن , فلا يكاد المرءُ ينتفعُ بشيءٍ من النصح !
فصحت بها يوماً وقد مالت بجمعها الى الشهوة : ويحكِ ! قفي لحظة أكلمكِ كلمات ثم أفعلي ما بدا لكِ .
قالت قل ؛ أسمعْ

قلت قد تقرر قلة ميلك إلى المباحات من الشَّهواتِ وما جُلُّ ميلكِ , فإلى المحرماتِ, و أنا أكشف لك عن الأمرينِ , فربما رأيت الحُلْوَيْنِ مرينِ.

أما المباحات من الشهوات فمطلقة لكِ , ولكن طريقها صعب : لأن المال قد يعجز عنها , والكسب قد لا يحصلُ معظمها , والوقت القليل يذهب بذلك , ثم شغل القلب بها وقت التحصيل ,وفي حالة الحصول وبحذر ثم ينغصها من النقص ما لا يخفى على مميزٍ .إن كان مطعماً؛ فالشبع يحدث آفات , و أن كان شخصاً فالمللُ أو الفراقُ أو سوء الخُلُقُ , ثم ألذَّ النكاحِ أكثره إيهاناً للبدن .. إلى غير ذلك مما يطول شرحهُ.

و أما المحرمات فتشمل على أشرنا إليه من المباحات, وتزيد عليها آفة العرضِ ومضنة عقاب الدنيا وفضيحتها , وهنالك وعيد الأخرة ثم الجزع كلما ذكرها التائب
وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلاً لأنه قُهِرَ بخلاف غالب الهوى فأنه يكون قويّ القلب عزيزاً لأنه قَهَر .

فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحُسْنِ كما يرى اللصُّ لذة أخذ المال من الحرز و لا يرى بعين فكرهِ القطعَ.

وليفتح الإنسان عين البصيرة لتأمُّل العواقب و أستحالة اللذة إلى نغصة و أنقلابها عن كونها لذةً . أما لملل او لغيرهِ من الآفات أو لانقطاعها بإمتاع الحبيب , فتكون المعصية الأولى كلقمةٍ تناولها جائع فما ردّتْ أذاه وشره بل شهت الطعام وليتذكر الإنسان لذة قهر الهوى مع تأمل فوائد الصبر عنه ؛ فمن وفقَ لذلك كانت سلامته قريبة منه



كتاب صيد الخاطر