تفسير سورة النحل من الآية( 74) من كتاب المتشابه من القرآن بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) :
http://quran-ayat.com/huda/
75 - (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) للمؤمنين في رجلين من بني إسرائيل أحدهما كان (عَبْدًا مَّمْلُوكًا) لسليمان فتمرّد عليه بعد أن أكرمه سليمان وقرّبه ، هو يربعام بن ناباط (لَّا يَقْدِرُ عَلَىظ° شَيْءٍ) من المال أو الحكم فأعطيناه وملّكناه فكفر وأشرك (وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) من إرث أبيه ، وهو رحبعام بن سليمان (فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ) في سبيل الله (سِرًّا وَجَهْرًا) فتنافس يربعام مع رحبعام بن سليمان على المملكة وحاربه فاتّبع يربعام أكثر بني إسرائيل مع إنّه كافر ومشرك فعمل لهم عجلين من ذهب ودعاهم إلى عبادتها فعبدوهما وأشركوا . والقليل من بني إسرائيل اتّبعوا إبن سليمان الرجل الصالح (هَلْ يَسْتَوُونَ) عند الله الذين اتّبعوا يربعام الكافر فكفّرهم ، والذين اتّبعوا إبن سليمان فأصلح أحوالهم وحسّن دينهم . فقولوا يا أتباع محمد (الْحَمْدُ لِلَّهِ) الذي هدانا إلى طريق الحق وجعلنا من أتباع محمد فأصلح ديننا ونجّانا من هؤلاء المشركين الجاهلين (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الحق ولا يعرفون الحقيقة .
76 - (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) للمشركين (رَّجُلَيْنِ) من بني إسرائيل (أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ) فأطلقنا لسانه (لَا يَقْدِرُ عَلَىظ° شَيْءٍ) من المال وتحصيله فأنعمنا عليه بالصحة والمال فكفر (وَهُوَ كَلٌّ عَلَىظ° مَوْلَاهُ) يعني وكان غبياً ثقيلاً على من تولى أمره وقام بتربيته ، لأنّه كان يتيماً (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ) يعني لا منفعة لمن تولى تربيته ، فالكَلّ هو الغبي الثقيل ، ومن ذلك قول الخنساء :
على صَخْرَ الأغَرِّ أبي اليَتَامَى ..... ويَحمِلُ كلَّ مَعثَرَةٍ وكَلاّ
هو السامري الذي صنع العجل لبني إسرائيل فعبدوه (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) هو هارون أخو موسى (وَهُوَ عَلَىظ° صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) يعني على منهج التوحيد وطريق الحق ؟ والمعنى هل هما سواء في الهداية ؟ فالسامري دعا قومه إلى عبادة العجل فاتبعه كثير فكفروا وخسروا وقُتلوا . والقسم الثاني اتّبعوا هارون ولم يعبدوا العجل فربحوا ونجوا من القتل ومن العذاب . وهذا مثَل ضربه الله تعالى للمشركين من قريش فجعل أبا جهل مقام السامري الذي أضلّ قومه بعبادة العجل فخسروا ، وجعل محمداً مقام هارون الذي نهى قومه عن عبادة العجل فربحوا . فاتّبعوا أنتم محمداً لتربحوا كما ربح أصحاب هارون الذين لم يعبدوا العجل .91 - جاء بعض المشركين إلى من آمن منهم وقالوا لهم نحن أكثر أموالاً وعدداً وعدّة من المؤمنين فلا تقتلوا أنفسكم باتباعكم محمداً ؛ أتركوه وارجعوا إلينا إلى دين أبائكم وأجدادكم . فأراد بعضهم أن يرجع إلى المشركين فنزلت هذه الآية والخطاب للمسلمين (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ) والعهد هو البيعة لرسول الله (وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ) يعني أيمان البيعة (بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) أي بعد توثيقها بإسم الله (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) أي شاهداً ورقيباً (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) من نقض العهد أو الوفاء به .
92 - (وَلَا تَكُونُوا) في نقض العهد والأيمان (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) هي دودة القز تغزل القز وتنسجه حولها ثم تنام ، فإذا استيقظت من سباتها أخذت تقرضه وتقطّعه حتى يكون أنكاثاً فتخرج منه وتطير ، ولكن أصحاب إنتاج القز يضعونها في ماء ساخن قبل أن تقطِّع القز فتموت ويبقى القز سالماً بلا تقطيع . والمعنى : لا تنقضوا عهودكم أيها المسلمون التي عاهدتم النبي عليها فتذهب أتعابكم وأعمالكم أدراج الرياح وتخسرون كما خسرت دودة القز غزلها حين قطّعته (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) أي خيانة ومكراً لأجل (أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىظ° مِنْ أُمَّةٍ) يعني لأنّ المشركين أكثر منكم مالاً وعدداً وعدّة (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ) يعني إنّما يختبركم الله بالعهد والوفاء به فيرى هل تفون بما عاهدتم النبي عليه أم تنقضون العهد (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) من أمر دينكم وعقائدكم التي كنتم عليها في الدنيا .



رد مع اقتباس