31 - ثمّ قال الله تعالى مخاطباً رسوله محمداً (
أَلَمْ يَرَوْا) قومك (
كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ) كأصحاب غمالائيل ومن سبقهم من المكذبين (
أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) يعني القرون التي أهلكناها لا يرجعون الى الدنيا ليسألوهم عن حالهم وعن العذاب الذي لاقوه بعد مماتهم .
32 - (
وَإِن كُلٌّ ) من المكذّبين والمشركين والكافرين (
لَّمَّا) يأتي أجلهم بالموت (
جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ) للعذاب والعقاب .
45 - (
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) بالتوبة ، يعني إتقوا عقاب أعمالكم الباطلة التي تقومون بها اليوم وما قمتم بها في الماضي وآمنوا بالله ورسوله (
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بقبول توبتكم . فإذا سمعوا هذا القول منك أنكروا عليك وقالوا إنّما نحن مصلحون .
46 - (
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ) التي في القرآن (
إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) لا يستمعون إليها .
47 - (
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) يعني إذا قال المؤمنون للمشركين (
أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) على فقرائكم ومحتاجيكم (
قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) يعني إنّ الذين تأمروننا بأطعامهم والإنفاق عليهم لو شاء الله لأعطاهم وأغناهم ، فإذا أعطيناهم من المال بمعنى قد عارضنا أمر الله وعملنا ضدّ إرادته (
إِنْ أَنتُمْ) أيها المسلمون (
إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) لأنكم تريدون أن تغنوا من أفقره الله . هذا كان عذرهم ولم يعلموا أن الله تعالى يختبر عباده الغني بالفقير والفقير بالغني ليرى من يشرك منهم ومن يكفر .
48 - (
وَيَقُولُونَ) أي المشركون (
مَتَىظ° هَـظ°ذَا الْوَعْدُ) الذي تعدوننا به من القتل والعذاب لنا ، والنصر والنعيم لكم (
إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) في قولكم ؟ فأجاب الله تعالى عن سؤالهم فقال :
49 - (
مَا يَنظُرُونَ) أي ما ينتظرون (
إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) يقوم بها المسلمون ضدّهم فيقتلونهم ويأسرونهم ، والصيحة هي قولهم "الله اكبر" وهذا كان شعار المسلمين إذا دخلوا ساحة القتال يصيحون الله أكبر ، يردّدونها ويقاتلون ، والمعنى هجمة واحدة يهجمون عليهم فيقتلون منهم ويأسرون ، وكانت تلك الصيحة يوم بدر (
تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) أي يتخاصمون فيما بينهم في أمر المسلمين وقتالهم .
50 - (
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) حينئذٍ (
تَوْصِيَةً) يوصون بها قبل موتهم (
وَلَا إِلَىظ° أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) يعني إلى مكة لا يرجعون بل يسقط بعضهم قتلى في وسط الطريق بين مكة والمدينة وبعضهم أسرى بأيدي المسلمين إلى المدينة . فكان كما أخبر الله تعالى عنهم .
51 - (
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ96 فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىظ° رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) الأجداث هي القبور واحدها جدث ، وقوله (
فَإِذَا هُم) : هذه كلمة مختصرة من كلمتين ومعناها فحينئذ هم إلى ربهم ينسلون . يعني إلى الفضاء يصعدون جماعات جماعات ، لأنّ المحشر يكون في الفضاء وهم نفوس أثيرية ، وهذا الخروج من الأجداث خاصّ بالكافرين والمشركين . أما المؤمنون فهم يصعدون إلى الجنان قبل يوم القيامة ولا يسكنون القبور . أما الأجسام فتتبعثر وتكون تراباً . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة العاديات {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} يعني إذا تبعثرت الأجسام التي في القبور . وقال تعالى في سورة النبأ {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} لأتخلّص من العذاب كما صار جسمي تراباً وخلص من العذاب .
52 - (
قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) أي من موضع رقادنا واحتجابنا فيه عن حرارة الشمس وأشعتها . يقولون هذا القول حين تتمزق الأرض فتخرج النفوس من القبور وتنتشر في الفضاء . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة ق {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا} يعني تتقطّع الأرض عنهم فيخرجون من جوفها ، أي من القبور . وهم الكافرون والمشركون ، أما المؤمنون فلا يسكنون القبور بل يصعدون مع الملائكة إلى الجنان .
-----------------------------------
96 :وتقديره فإذا نفخ في الصور، وإنما حذف كلمة (إذا) لتكرار الجملة ، وهي قوله تعالى (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ) ، فحذف الأولى وأبقى الثانية ، وقد سبقت كلمة إذا أيضاً عند قوله تعالى { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا } . وبذلك صار الكلام عن المستقبل لا عن الماضي . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الحاقة { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } . و"الصور" هو الطبقة الباردة التي تتكون للشمس عند انتهاء حياتها ، و"النفخ" يكون من جوفها ، وهي الغازات تضغط على الطبقة الباردة فتنصدع ويكون لها صوت عظيم عند خروج الغازات من ذلك الصدع . ثم تنقجر الشمس وتكون تسع عشرة قطعة . وسيأتي شرح ذلك في سورة التكوير بالتفصيل .