26 - (
إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا) يعني مثلاً من الأمثال من صغير الحشرات إلى كبار الحيوانات ، وذلك قوله تعالى (
بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) أي فما تجاوزها وزاد عليها ، لأنّ الله تعالى لَمّا ضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت تكلّم فيه قوم من المشركين وعابوا ذكره وقالوا ماذا أراد الله بالعنكبوت فيضرب به مثلاً ، وما هذه الأمثال إلاّ من محمّد ؛ فأنزل الله هذه الآية ، ومعنى (
لاَ يَسْتَحْيِي) يعني لا يرى في ذلك من حياء ، أي لا يرى من عيب في ضرب الأمثال بالحشرات لأنّه هو الذي خلقها وهو أعلم بضعفها وقوّتِها وطباعها ولا فرق بينكم وبينها في الخلقة فهي مخلوقاته وأنتم عبيده . والبعوض صغار البقّ وإنّما لم يقل بعوضةً فما أكبر منها ، لأنّ ذلك يدلّ على الكبر فقط ، وأراد سبحانه بلفظة (
فَمَا فَوْقَهَا) الغريزة والقوّة والكبر ، (
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ) أي القرآن منزل من ربّهم وليست هذه الأمثال من محمّد (
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا) أي بالحشرات فيضرب بِها (
مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) لأنّ الناس على قسمين صالح وفاسق : فالصالح من كانت أخلاقه حسنة صادق القول كريم النفس رحيم القلب رؤوف بالمساكين لا يتكبّر على الضعفاء ، وأمّا الفاسق فهو عكس ذلك كاذب في قوله متكبّر في نفسه ظالم جائر نمّام بخيل ، فإن لم تكن هذه الصفات كلّها فيه فبعضها . فالصالحون يتّبعون المحكم من القرآن فيهتدون به ويتركون حكم المتشابه إلى الله . أمّا الفاسقون فيتركون المحكم ويعترضون على المتشابه فيضلّون به ، وذلك قوله تعالى (
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) يعني كثيرٌ من الناس يضلّون عن الحقّ باتباعهم المتشابه من القرآن ، وكثيرٌ من الناس يهتدون باتباعهم المحكم من القرآن دون الالتفات إلى المتشابه (
وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) يعني إلاّ من كان سيّء الأخلاق . ثمّ أخذ سبحانه في ذمّ الفاسقين فقال :
27 - (
الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ) يعني ينقضون العهد الذي عاهدوا به أنبياء الله الماضين بأن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يقتلوا النفس التي حرّم الله قتلها ولا يزنوا ، وقد أخلفوا الله ما عاهدوه (
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ) يعني ويقطعون صِلة الرحم التي أمر الله بصلتها (
وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) بالفتن وقطع السبيل ويصدّون من آمَن بمحمّد (
أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فأبدلوا النعيم بالجحيم .
http://quran-ayat.com