خلفية
اليهود الحاريديم (كلمة عبرية تدل على مخافة الله) يشكلون تيارًا دينيًا متشددًا. ويتميز نمط حياتهم بالتفرغ لدراسة التوراة والشريعة اليهودية. السواد الأعظم منهم لا يزاولون عملا يوميا ولا يؤدون الخدمة العسكرية، بل يحصلون على هبات مالية من خزانة الدولة ويتقاضون مخصصات شهرية من مؤسسة التأمين الوطني. ومن المعطيات الرسمية الأشد إثارة للقلق أن اثنين وستين بالمئة من مجموع اليهود الحاريديم عاطلون عن العمل اليوم. هذه الحالة جاءت وليدة تفاهم بين الحكومة وزعماء الحاريديم لدى قيام الدولة. حينذاك ارتأى رئيس الوزراء الأول دافد بن غوريون أن يمنح مجموعة من طلاب المعاهد الدينية المتفوقين إعفاءً من أداء الخدمة العسكرية على اعتبار أنهم حماة التوراة. ومع مرور السنين اتسعت رقعة الإعفاء اتساعا كبيرا للغاية إلى أن أصبح بعد عقود من الزمن إعفاءً شبه كلي. فقبل خمسة وستين عاما أعفي من الخدمة العسكرية نحو أربعمئة طالب متدين فقط فيما يصل عدد الحاصلين منهم على الإعفاء في يومنا هذا إلى عشرات الآلاف سنويا. وينطبق الإعفاء عند اليهود على طلاب المعاهد التابعة للتيار الديني المتشدد الحاريديم فقط. أما طلاب المعاهد المحسوبة على التيار الديني الصهيوني الوطني فهم مكلفون أيضا بالخدمة العسكرية.
حملة احتجاجية
تترتب على الإعفاء انعكاسات اجتماعية واقتصادية وأمنية وأخلاقية. وتلحق بالدولة خسائر مادية كبيرة بسبب عدم مزاولة الطلاب المتدينين لأي عمل في المرافق الاقتصادية. زد على ذلك أن الدولة تدعم ماديا المعاهد الدينية. ويتحمل أبناء شرائح اجتماعية يهودية غير الحاريديم عبء الواجبات الوطنية. فهم يؤدون الخدمة العسكرية النظامية والاحتياطية لفترات طويلة ويمولون بالضرائب المجبية منهم نشاطات الحكومة. أما الحاريديم فإنهم يعيشون على المعونات الحكومية والتبرعات ولا يدفعون الضرائب إلا جزئيا. ويشكو العلمانيون من تفاقم غلاء المعيشة المتمثل في ضرائب ورسوم تعليمية عالية وأسعار سكن باهظة مطالبين بأن يتحمل الحاريديم الأعباء الوطنية المدنية والعسكرية معهم. وبلغ الجدل الحامي الوطيس بشأن غلاء المعيشة نقطة غليان قبل عامين عندما قادت شابة إسرائيلية سلسلة من التظاهرات محتجة على الصعوبات في استئجار مسكن لها في تل أبيب. وانضم إليها المئات من الشبان والأزواج الشابة وتوسعت دائرة التظاهرات إلى أن أصبحت حملة قطرية انضوت تحت لواء العدالة الاجتماعية والمساواة في تقاسم الأعباء الوطنية. وتوفر المناخ الاجتماعي آنذاك لنشوء حزب جديد يرفع راية العدالة الاجتماعية ويطالب بتجنيد المتدينين. وكان يائير لابيد (حزب "يش عاتيد") هو أبرز من طالب في المعركة الانتخابية الأخيرة بسن قانون ينظم تجنيد الحاريديم.
لجنة بيري
بعد تشكيل الائتلاف الحكومي هذا العام أقيمت لجنة عامة برئاسة رئيس جهاز الأمن العام سابقا، عضو الكنيست من حزب "يش عاتيد"، وزير العلوم يعاكوف بيري. واصطلح عليها اسم "لجنة بيري" نسبة إلى رئيسها. وكلفت بإعداد مسودة لقانون تشريعي يراعي المساواة في تقاسم الأعباء الوطنية. ولأول مرة في تاريخ الدولة تنص المسودة على أن يسري قانون الخدمة الأمنية على الشبان الحاريديم من أبناء التيار الديني المشتدد. وتمعنت اللجنة في مختلف الحسابات والمبادئ ذات الصلة بمهمتها. وسعت إلى إعطاء الثقل الملائم للقيمة الوطنية التي تنطوي على الانخراط في الجيش من جهة، وللقيمة الدينية الثقافية في دراسة التوراة من جهة أخرى. ومن أهم ما يتضمنه القانون المقترح:
• إلزام كل شاب يبلغ السابعة عشرة من العمر في المثول في مركز التجنيد للوقوف على أهليته وكفاءاته
• منح حوافز مالية للمعاهد الدينية التي تتجاوب مع التجنيد
• وقف المساعدة المالية الحكومية الممنوحة لأي طالب في حال تخلفه عن الحضور في مركز التجنيد
• تقصير مدة الخدمة العسكرية للرجال من ستة وثلاثين إلى اثنين وثلاثين شهرا
• إطالة مدة الخدمة العسكرية للنساء من أربعة وعشرين إلى ثمانية وعشرين شهرا
• تخويل سلطات الجيش أن تكون صاحبة القرار في توجيه الشبان إما للخدمة العسكرية أو المدنية
ومن المعطيات المثيرة التي اتضحت في أعمال اللجنة أن أداء الخدمة الوطنية- سواء مدنية كانت أو عسكرية- أثبت جدارته في اندماج الحاريديم في المجتمع الإسرائيلي. فتبين أن واحدا وتسعين بالمئة ممن أدوا الخدمة العسكرية انخرطوا في سوق العمل بعد تسرحهم من الجيش وحظوا بوظيفة تضمن لهم إعالة أسرهم.
اختلافات في الرأي
منذ بداية المناقشات ظهرت خلافات بين مواقف عدد من أعضاء اللجنة تعلقت إما بعدد الشبان المفروض تجنيدهم أو بطريقة تجنيدهم او بمدة خدمتهم أو بشكل العقوبات الواجب فرضها عليهم في حال رفضهم أداء الخدمة. أصحاب التوجه الليبرالي الداعون إلى المساواة أصروا على تضمين مشروع القانون بندا يتيح للدولة أن تلاحق الطلاب المتهربين من الخدمة ملاحقة جنائية، مبررين إصرارهم هذا بأن القانون لن يكون ذا جدوى من دون أن يكون هناك سيف مسلط على رقاب المتهربين. أما ممثلو الليكود فقد رفضوا هذا البند رفضا باتا. وبسبب البند المختلف عليه كادت تنشب أزمة ائتلافية. ثم استجاب الليكود على مضض لابقاء بند الملاحقة الجنائية. قبل بضعة أسابيع صادقت لجنة بيري على مسودة للقانون المقترح. وستلتئم قريبا لإبداء موقفها من التحفظات والاعتراضات التي أحيلت إليها من مختلف الوزارات. ثم تصادق عليها الحكومة فتحال إلى الكنيست (المجلس التشريعي والنيابي الإسرائيلي). وإذا اعتمدنا على مواقف القوى ذات الشأن بالمسألة حتى الآن يجوز لنا التوقع أن تواجه المراحل التشريعية المقبلة مطبات كثيرة. وإلى أن يتم إقرار القانون نهائيا سوف تثير الاختلافات في الرأي، على الأرجح، جدلا عاصفا في الكنيست.




رد مع اقتباس