مقالة لاحمد الكاتب بعنوان الشعائر الحسينية" بدعة؟ أم ضرورة من ضروريات الدين؟ جدل محتدم في العراق
أحمد الكاتب
كلما كثرت البدع والتأويلات الخاطئة للدين والإضافات فيه، كلما أدرك العلماء ضرورة التجديد وإعادة النظر والعودة إلى أصول الدين ومنابعه الأولى الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وقد قام الفقهاء المسلمون خلال المائة سنة الأخيرة بعمليات تجديد كثيرة ولا يزالون يقومون، ولكنهم وقفوا عاجزين أمام بعض الأمور التي يصعب عليهم الاقتراب منها أو إبداء أي رأي فيها، وذلك لما احتلت من شعبية لدى الناس وإجماع عليها من قبل العامة بحيث أصبحت عادة يحسبها الناس من ضروريات الدين وهي ليست كذلك. فاضطر ''العلماء'' إلى مجاراة الناس وتأييدهم فيما يفعلون إما خوفاً من الناس أو طمعاً لما في أيديهم، وإما جهلاً من ''العلماء'' أنفسهم بكون تلك البدع مما أضيف إلى الدين، وذهب بعض ''العلماء'' إلى تغطية تلك البدع بأحاديث مفتعلة أو تأويلات تعسفية لآيات من القرآن الكريم، أو تبريرها بأي صورة وتقديمها للناس كضرورة حيوية من ضروريات الدين.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك هو ما يحدث في طقوس عاشوراء كلعام من ضرب للرؤوس بالسيوف ولطم مبرح على الصدور والظهور بالسلاسل الحديدية المدمية وما إلى ذلك من أعمال لم يكن المسلمون يعرفونها على عهد رسول الله (ص) ولا الأئمة من أهل البيت، وإنما ابتدعها بعض الحكام في القرون المتأخرة واعتاد عليها الناس، حتى أصبحت وكأنها جزء لا يتجزأ من الدين.
ورغم استنكار عدد من كبار علماء الشيعة لبعض الطقوس الدموية، وتحريم الإمام الخميني لها في إيران، والقضاء عليها من قبل حزب الله في إيران، فلا يزال بعض الناس يمارسها في العراق. وهذا ما استدعى مستشاراً لرئيس الوزراء العراقي، هو السيد حسين الشامي (رئيس الوقف الشيعي سابقاً، وعضو المكتب السياسي لحزب الدعوة) إلى المطالبة بالقضاء عليها واعتبارها بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان. وذلك انسجاماً لخط حزب الدعوة الذي ما فتئ يدعو إلى القضاء عليها منذ ستينيات القرن الماضي. وكان من المتوقع أن تبادر الحوزة العلمية في النجف إلى تأييد الشامي في دعوته، ولا سيما وأن مراجع كبار سابقين ولاحقين قد أفتوا بتحريم تلك الطقوس الدموية، ولكن جماعة من علماء الحوزة العلمية في النجف من المقربين من المجلس الأعلى الإسلامي أصدروا بياناً رفضوا فيه وصف ''الشعائر الحسينية بالبدع ، وطالبوا المستشار بالاعتذار واصفين موقفه بأنه متناغم مع آراء السلفيين التكفيريين..
وأعربوا عن ''أسفهم لعدم علم السيد المتحدث بقواعد استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب الكريم والسنة المطهرة ذلك أن الشعائر الحسينية مصداق لقوله سبحانه وتعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وأنها من الجزع على مصاب الحسين (عليه السلام) المسنون بما استفاض من الروايات الشريفة عن الأئمة الأطهار(عليه السلام)، من قبيل قول الإمام الصادق (عليه السلام): (كل الجزع والبكاء مكروه ما سوى الجزع والبكاء لقتل الحسين(عليه السلام). وطالب علماء الحوزة الشامي وأمثاله أن لا يلبسوا لبوس الفقيه المفتي فيحرمون ما أحل الله ويفتون الناس بما لا يعلمون فيكونون مصداقاً ل(من أفتى بغير علم) فإن لعلم الفقه رجاله كما لكل علم رجاله المتخصصين فيه''. وأشاروا أنه ''لو قدر للسيد المتحدث وغيره أن تعتريه شبهة من الشبه تجاه شعيرة من الشعائر الحسينية فإن مناقشة الشبهة ودحضها تتم في الحوزات العلمية وفي مقدمتها الحوزة العلمية في النجف الأشرف وفي مجالس البحث العلمي وليس عبر الفضائيات ووسائل الإعلام''. وأضافت الجماعة ''إن الحوزة العلمية إذ تشعر بعميق الأسى والأسف من أن يقف بعض من يتزيى بزيها إلى جانب السلفيين التكفيريين المتحاملين على شعائر الإمام الحسين (عليه السلام) تطلب من السيد المذكور والجهة التي ينتمي إليها المبادرة إلى التوبة إلى الله والاعتذار إلى الملايين من المؤمنين الحسينيين الذين سفههم ورماهم بالجهل والبدع''.
ومن الواضحأن هؤلاء ''العلماء'' الذين أصدروا البيان يرفضون اعتبار أي طقس من طقوس عاشوراء بدعة، ويصفون من يقول ذلك بالوقوع في الشبهة، ويتهموه بالجهل بقواعد استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، تلك القواعد التي يدعون معرفتهم بها جيداً.. ويعتبرون أنفسهم ''رجال العلم الفقه المتخصصين فيه'' ولكنهم لم يأتوا على دعواهم بأي دليل شرعي سوى تأويل قوله تعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وهي آية 32 من سورة الحج ولا علاقة لها بالشعائر الحسينية، وإنما تتعلق بشعائر الحج كالصفا والمروة والبدن التي تساق هدياً و تشعر أي يشق سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنها هدي، ولم يشيروا إلى أي حديث متواتر أو صحيح من السنة النبوية، وإنما جاءوا بحديث عن الإمام الصادق يقول فيه: ''كل الجزع والبكاء مكروه ما سوى الجزع والبكاء لقتل الحسين (عليه السلام)''. وليس من المعلوم مدى صحة هذا الحديث أو حجيته وقدرته على تأسيس حكم شرعي جديد لم يرد في القرآن ولا في السنة النبوية. مما يدل على أن جماعة ''العلماء'' يبنون فتواهم بجواز تلك ''الشعائر'' على أساس شبهة وبحاجة إلى مناقشة العلماء قبل أن يفتوا بالجواز ويشجعوا العوام من الناس على ارتكاب أمور ''بدعية'' لم ترد في الدين، وأنهم بحاجة إلى التوبة من الله قبل الآخرين.
وبعيداً عن هذا الجدل حول شرعية بعض الطقوسالحسينية الدموية، فقد كانت هناك رؤيتان لمسألة الاحتفال بعاشوراء وقصة كربلاء، بين من ينظر إليها باعتبارها قضية ''دينية'' ذاتية لا بد من استذكارها كل عام وإظهار الحزب والبكاء واللطم ولبس السواد وزيارة قبر الحسين وما إلى ذلك، بغرض الحصول على الأجر والثواب وغفران الذنوب والشفاعة يوم القيامة ودخول الجنة والنجاة من النار. وبين من ينظر إلى قصة كربلاء كحدث سياسي تاريخي ومعركة كبرى ضحى فيها الإمام الحسين من أجل إصلاح الأمة ونصرة الدين، وأن علينا أخذ الدروس والعبر منها، والسير على خطى الحسين بنصرة الإسلام والدفاع عن الحق والصمود في وجه الباطل والتضحية في سبيل الله. وقد عبر عن هذه الرؤية كاتب إيراني في الستينيات هو الشيخ صالحي نجف آبادي في كتاب شهير له أثار ضجة كبرى في إيران، هو ''الحسين الشهيد الخالد'' الذي يقول فيه: إن الحسين خرج ثائراً من أجل تشكيل حكومة إسلامية عادلة، وشكل ثورة على المفهوم السابق الذي كان ينظر إلى الحسين باعتباره قتل من أجل البكاء عليه وتحصيل الأجر والثواب. وشكل المفهوم الثوري وقوداً لحركة الثورة والتغيير في إيران والعالم الإسلامي.
ولا يزال هناك من ينظر إلى قضية كربلاء باعتبارهاقضية دينية معزولة عن حركة التاريخ والواقع، أي باعتبار الحسين شهيداً من أجل غفران ذنوب الناس، وهي نظرة تشابه نظرة المسيحيين إلى السيد المسيح (عليه السلام) أي أنه ضحى بنفسه و(صلب) من أجلهم ومن أجل أن يغفر الله لهم. وهذا ما يفسر الإصرار على البكاء والتباكي وزيارة الحسين مشياً على الأقدام من مسافات بعيدة، كما يحدث هذه الأيام في العراق، ولطم الصدور وضرب الرؤوس بالسيوف وما إلى ذلك من ممارسات دموية عنيفة، وحسبما يقول الشاعر '' فإن النار ليس تمس جسماً عليه غبار زوار الحسين''. كما أن هناك من يرفض كل الشعائر الحسينية ولا يعتبرها جزءاً من الدين، ولا عبادة دينية، وإنما ينظر إليها كممارسات سياسية قام بها الشيعة في القرن الأول، وإذا كان بعض أئمة أهل البيت قد دعوا الناس إلى البكاء على الحسين من أجل تعبئتهم ضد الأمويين، فلا يعني الاستمرار في ذلك إلى يوم القيامة، أو اعتبار البكاء واللطم والضرب بالسيوف والزيارة واجباً مقصوداً لذاته. ويشدد هؤلاء على ضرورة الاقتداء بالحسين في نصرة أي مظلوم في الدنيا، وخاصة الشعب الفلسطيني الذي يتعرض إلى حرب إبادة، كما فعل حزب الله الذي اتخذ من يوم عاشوراء مناسبة لتعبئة الناس ضد إسرائيل ونصرة المقاومة الفلسطينية، في حين حرص أصحاب النظرة الأخرى على إجراء طقوس الشعائر الحسينية بعيداً عن أجواء فلسطين.



رد مع اقتباس
