بسم الله الرحمن الرحيم
من كتاب الكون والقران للمرحوم محمد علي حسن الحلي
إعلم أنّ بذرة الحياة لم يكن منشؤها من الأرض حيث أنّها مع باقي السيّارات كانت شمساً ملتهبة ، ولا يمكن أن تنشأ الحياة من النار ولكنّ الحياة انتقلت إلى أرضِنا من السيّارات القديمة الّتي تمزّقت وصارت نيازك ؛ فإنّ بعضها سقطت على الأرض فصارت جبالاً، ولَمّا كانت تلك السيّارات مسكونة وفيها من النبات والأشجار والحيوان بقيت بذورها في تلك القطع التي صارت جبالاً على أرضنا ، ولَمّا نزلت عليها مياه الأمطار أخذت تلك البذور وبقايا الأشجار تنمو وتكبر بسبب المياه ، قال الله تعالى في سورة الأنبياء {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} ، ثمّ خلقَ الله تعالى من تلك الرمم البالية حيوانات وطيوراً وبشراً ، وبعد ذلك نزلت هذه المخلوقات من تلك وتفرّقت في الأرض وأخذت تتناسل وتتكاثر حتّى ملأت الأرض ، فالحياة إذاً انتقاليّة من سيّار إلى سيّار آخر .[خلق آدم] فإنّ الله تعالى خلقَ آدم وحوّاء على جبلٍ من تلك الجبال التي كانت سيّارات وتمزّقت ، ثمّ نزلا من الجبل إلى الأرض المستوية فتناسلوا وتكاثروا وانتشروا في ألأرض . قال الله تعالى في سورة البقرة {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}، فالجنّة هي البستان والمزرعة ، قال الشاعر :
كانت لهم جنّةٌ إذ ذاكَ ظاهرةٌ فيها الفراريس والفومان والبصلُ
وقال الله تعالى في سورة المؤمنون {فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} بعني بساتين من نخيلٍ وأعناب ، فالجنّة التي كان آدم يسكنها كانت فوق جبلٍ من تلك الجبال التي سبق الكلام عنها . والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة طه {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ..إلخ } يعني اهبطا من الجبل إلى الأرض المستوية ، فالهبوط معناه النزول من محلٍّ مرتفع إلى محلٍّ منخفض ، كقوله تعالى في قصّة نوح في سورة هود {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} فهبوط نزح كان من الجبل إلى الأرض المستوية لأنّ السفينة رسَتْ على جبل الجودي . فإنّ الله تعالى خلقَ آدم وحوّاء من تلك الرمم البالية التي في ذلك الجبل ، قال الله تعالى في سورة الحجر {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}، فالصلصال هو الطين ، والحمأ معناه الأسود ، والمسنون معناه المنتنّ ، أي من طين أسود منتنّ ، وذلك لأنّ مياه الأمطار لَمّا نزلَتْ على تلك الأتربة التي هي من بقايا الرمم البالية صارت طيناً وانتنّتْ ، فخلَقَ الله تعالى من ذلك الطين آدم وحوّاء . وقال تعالى في سورة ص {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ} .[أجناس البشر الأربعة] ثمّ إنّ آدم لم يكن أوّل بشرٍ خلَقَه الله تعالى على هذه الأرض بل خلَقَ قبله من البشر ما لا يُحصى ولا يعدّ ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، فالخليفة هو الذي يخلف ما قبله كقوله تعالى في سورة يونس {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ، فلو لم يكن قبل آدم بشر لَما سمّاه الله خليفة ، والدليل الثاني قول الملائكة [ كما في الآية التالية ] : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، فإنّ الملائكة لا يعلمون الغيب فكيف عرفوا أنّ أولاد آدم يُفسِدون في الأرض ويسفكون الدماء لو لم يَرَوا ذلك مِمّن مضى قبل آدم . ثمّ إنّ البشر الموجودين اليوم على أرضنا ليس كلّهم من آدم بل من أربعة أشخاص ، فأحد هؤلاء الأربعة أبونا آدم ، والثاني أبو السودان ، والثالث أبو الهنود الحمر ، والرابع أبو الصينيّين . فالذين ركبوا في السفينة مع نوح كانوا من أنواع البشر الأربعة وليسوا كلّهم من آدم ، والدليل على ذلك قوله تعالى سورة هود {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} . وقال الله تعالى في سورة الرحمن {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} ، قال المفسِّرون أنّ الآية تُشير إلى شروق الشمس صيفاً وشتاءً ، وكذلك غروبُها يختلف وقت الصيف عن وقت الشتاء . وأقول ليس المراد بذلك شروق الشمس وغروبها ولا المكان الذي تُشرق عليه الشمس أو تغرب ، بل المراد بذلك البشر الذين يسكنونَ جهةَ المشرق والذين يسكنون جهة المغرب ، وهما نوعان يسكنان جهة المشرق : الجنس الأبيض وهم أولاد آدم والجنس الأصفر وهم أهل الصين . وكذلك الذين يسكنون جهة المغرب وهما الجنس الأسود وهم الحبشة والسودان ، والهنود الحمر وهم سكّان أمريكا الأصليّين ، فهذه أربعة أجناس . وتعليل ذلك أنّ النيازك التي نَقَلَت الحياة إلى أرضنا هي أربعة ، وكانت من أربعة سيّارات متمزّقة ، فسقط كلٌّ منها على قطرٍ من أقطار الأرض ، فخلق الله تعالى من كلّ نيزك نوعاً من البشر ، ولذلك أصبح الجنس البشري أربعة وهم :1. الجنس الزنجي : - ويمتاز أفراده بشعرهم المجعّد ، وبشرتِهم السوداء وأنفهم الكبير المفرطَح ، وشفاهِهم الغليظة ، وأعينِهم البارزة ، وأسنانِهم الكبيرة . وأفراد هذا الجنس هم سكّان أفريقيا الوسطى والجنوبيّة وتسمانيا وأستراليا والفلبين .2. الجنس المنغولي : - ولِهؤلاء شعر أسود سبِط وبشرة صفراء ، ووجه مدوّر بارز الوجنات ، وأنف صغير ، وأعين عميقة ، وأسنان متوسّطة الحجم ، وهم سكّان آسيا الوسطى والشماليّة والتركستان والإسكيمو والملايو.3. الجنس الأحمر : - وهم الهنود الحمر سكّان أمريكا الأصليّين .4. الجنس القوقاسي : - ويتّصف أفراده بِشعرٍ ناعم سبِط أو متجعِّد قليلاً أشقر أو أسود وبشرة بيضاء أو سمراء ، ولِحى كاملة ، ووجنات غير بارزة ، وأنف متوسّط الحجم ، وأسنان صغيرة ، وهم سكّان أوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا وجنوبِها . فالجنس القوقاسي من نسل آدم ، وأمّا الثلاثة المتقدّمة فلكلٍّ منهم أب خاصّ ، فإنّ الله تعالى خلقَ هؤلاء الثلاثة قبل أن يخلق آدم بِآلاف السنين ، ولذلك صار آدم خليفة لأنّ الله تعالى خلَقَه بعدهم . ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة هود في قصّة نوح : {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فقوله تعالى {وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} يعني وعلى الأجناس الأخرى الذين ركِبوا معك في السفينة ، وكان بعضهم من الجنس الأسود وبعضهم من الجنس الأصفر . وإنّ أولاد آدم تزوّجوا من بنات الصينيّين ومن بنات السودان ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الفرقان {وَهُو الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} ، فقوله تعالى {خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا} يعني أولاد آدم خلَقَهم من ماءٍ دافق وهو النطفة ، وقوله {فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} النسب هم أقرباؤك ما تناسل من جدِّك ، يعني أعمامك ؛ والصهر أخوالك ، يعني الذين اتّصلوا بكَ بِالمصاهَرة أي بِالزواج فأخذتَ منهم امرأة أو أعطيتّهم امرأة ، والشاهد على ذلك قول حسّان بن ثابت الأنصاري :
يعتادُني شَوقٌ فأذكرُها من غيرِ ما نسبٍ ولا صِهرِ
يعني ليس بيني وبينَها قرابة ولا مصاهَرة . وقال امرؤ القيس :
لأخٍ رَضيتُ به وشاركَ في الأنسابِ والأصهارِ والفضلِ
فأولاد آدم يرجع نسبُهم إلى آدم ولكنّهم صاهَروا الأجناسَ الأخرى فاختَلَطوا ، فتزوّجَ بعضُهم مِن بنات الصين الجنس الأصفر فصار صِهراً لَهم ، وتزوّج بعضُهم من الجنس الأسود فصار صِهراً لَهم . وإنّ أكرمَهم عند الله أتقاهم . وقال تعالى في سورة الرحمن {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} .