بسم الله الرحمن الرحيم

التفسير من كتاب الكون والقران للمرحوم محمد علي حسن الحلي

س 42 : إذاً فما معنى قوله تعالى في سورة الكهف {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا} ؟ج : إسكندر المكدوني [هو إسكندر الكبير الملقّب بذي القرنين ، توفّي في بابل ، تعلّم على يد أرسطوطاليس ، تبوّأ الحكم الملكي في مكدونيا محلّ فيلبس أبيه ، وعزم على فتح امبراطوريّة الفرس فكسرهم في آسيا الصغرى (أبسوس 334 ق م ) ، ثمّ في سواحل فينيقيا (بعد أن حاصرَ صور سبعة أشهر ) ، ثمّ في مصر (أسّس الاسكندريّة) ، أخيراً ضيّق على داريوس في العراق فانتصر عليه في أربيل (331 ق م ) ، وتابع زحفه إلى أطراف فارس وتجاوزها إلى ضفاف نهر هندوس . وذو القرنين من أعظم الغزاة وأشجعِهم . وقد تنبّأ عنه النبي دانيال قبل مولده وذلك في الإصحاح الثامن من سِفر دانيال من مجموعة التوراة ؛ فرأى كبشاًله قرنان طويلان ينطح بِهما ، فنطحَ غرباً وشمالاً وجنوباً فلم يقفْ حيوانٌ أمامه ولا منقذَ من يده وفعلَ كما يريد . فلذلك لُقِّب بذي القرنين .] لمّا وصل إسكندر إلى الغرب أي إلى الحبشة وجد سكّان ذلك القطر يعبدون الشمس ، وذلك أنّهم يجتمعون خارج المدينة وقت غروبِها وهم ينظرون إليها ويرتّلون الأناشيد الدينيّة ، فإذا كادت تختفي عن الأنظار سجدوا لَها بأجمعِهم ، وكانت لهم ملكة سوداء تؤمّهم فيتبعونَها في ذلك .التفسير : {حَتَّى إِذَا بَلَغَ} إسكندر {مَغْرِبَ الشَّمْسِ} يعني وصل ذلك المكان وقت غروب الشمس {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أي وجده تغرب في مراقبة امرأة سوداء ، وهي ملكتهم ، والمعنى : وجدها تغرب على قومٍ يراقبون الشمس عند غروبِها ويسجدون لَها ولهم ملكة سوداء تؤمّهم فيقلّدونَها . فالعين يريد بِها المراقبة يقال " فلان في عيني" أي في مراقبتي . قال الله تعالى في سورة هود{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي بمراقبتنا ووحينا ، وقال تعالى في سورة القمر{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ} وقال تعالى في سورة الطور{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} يعني في مراقبتنا . وقال الحاجري :أخاف عليها من عيونِ وشاتِها وآخذُ عنها حينَ تقبلُ جانباوالمعنى أخاف من مراقبة وشاتِها .وقال عمرو بن كلثوم :
تريكَ إذا دخلتَ على خلاءٍ وقد أمنَت عيونَ الكاشحينا
وقال أيضاً :
بِيومِ كريهةٍ ضرباً وطعناً أقرَّ بِهِ مواليكِ العيونا
وقال جرير :
ونرهبُ أن نزوركمُ عيوناً مصانعةً لأهلِكِ وارتِقابا
و"الحمِئة" معناها السوداء ، يقال "تحمّم الجدار" أي صار أسود من الدخان ، ويقال "حَمَّم الغلام" أي بدت لحيته ، و"الحُمَم" هو الرماد والفحم وكلّ ما احترق بالنار . ومن ذلك قول جرير :
عاذت بِربِّكَ أن يكون قرينُها قيناً أحمَّ لِفَسوِهِ إعصارُ
فالقين هو الحدّاد ، وقوله "أحمّ" يعني تلطّخ بِسواد الفحم ودخان النار وصدأ الحديد . وقوله تعالى{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا} يعني : وجد الإسكندر عند المرأة السوداء قوماً يفعلون كفِعلِها ، {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ} وهذه كنية الإسكندر {إِمَّا أَن تُعَذِّبَ} هؤلاء القوم الذينَ يعبدونَ الشمس إنْ لمَ يؤمنوا ، {وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} إذا آمنوا وانقادوا لأمرنا . فالعين يريد بها المراقبة وليس المراد بِها عين ماء ، والدليل على ذلك قوله تعالى عند شروقِها {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا} ؛ فلو كان المراد بالعين عين ماءٍ لقال " وجدها تخرج من عينٍ" ، ولكن معنى الكلام : وجدها تغرب على قومٍ هذه صفتُهم وتطلع على قومٍ تلك صفتُهم ، فإنّه تعالى أراد بذلك وصف القوم لا وصف الشمس ، والطلوع معناه الظهور للعيان ، ومن ذلك قول عنترة :
أنا الهِزَبرُ إذا خيلُ العِدا طَلَعَتْ يومَ الوغى ودماءُ الشوس تندفقُ