قلنا في كتابنا (الكون والقرآن) أن يوم القيامة هو اليوم الذي تتمزّق فيه الأرض والمجموعة الشمسية بأسرها , فاذا كان ذلك فإنّ النفوس تنفر من الأرض وتنتشر في الفضاء وهنالك يكون المحشر أي يكون في الفضاء , ومثل ذلك يكون كمثل كورة زنابير ملتصقة في أحد السقوف فأصابها حجر فتمزّقت الكورة وسقطت , فإنّ الزنابير تنتشر في الفضاء إذ لم يبق لها مأوى تأوى إليه , فكذلك النفوس إذا تمزّقت الأرض وتناثرت فأنها تنتشر في الفضاء ، وتترك تلك القطع المتناثرة , والحساب والجزاء أيضاً يكون في الفضاء .المحشر
قال الله تعالى في سورة المؤمن {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} ، فقوله تعالى {بَارِزُونَ} يعني ظاهرون للعيون لا يمكنهم أن يستتروا لأنّهم في الفضاء ولم تبقَ لهم أرض يختفون بها .
وقال تعالى في سورة شورى {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ} ، فقوله تعالى {مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ} لأنّ الأرض تتمزق ولا يبقى لهم ملجأ يلجئون اليه فينتشرون في الفضاء .
وقال تعالى في سورة إبراهيم {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} فالبارز هو الظاهر للعيون , وفي ذلك قال عمرو بن كلثوم :
ترانا بارزينَ وكلّ حيٍّ قدِ اتّخَذُوا مخافتَنا قَرينا
وقال الله تعالى في سورة القمر {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} يعني تنتشر النفوس في الفضاء كما ينتشر الجراد .
وقال تعالى في سورة القارعة {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} والفَراش بفتح الفاء هي الحشرات التي تتطاير حول المصباح وفي ذلك قال الشاعر :
والمبثوث معناه المنتشر ، وفي ذلك قال النابغة :
إنّ لِلناسِ حولَ خدّيكِ حَوماً كالفَراشِ الذي علَى النارِ حاما
وقال امرؤ القيس :
وأنتَ كالدهرِ مبثوثاً حبائلُهُ والدهرُ لا ملجأٌ منهُ ولا هَرَبُ
والحرشف هي صغار الطير .كَأَنَّهُمْ حَرْشَفٌ مَبْثُوثُ بِالْجَوِّ إِذْ تَبْرُقُ النِّعَالُ
وقال الله تعالى في سورة القيامة {يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ . كَلَّا لَا وَزَرَ . إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} يعني يكون المستقر اليه في السماء لأنَ الكواكب السيارة تتمزق .
وقال تعالى في سورة يس {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} يعني لدينا في السماء .
وقال ايضاً في نفس السورة {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} يعني اليه في السماء .
وقال تعالى في سورة العنكبوت {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} والمعنى : وما أنتم أيها الناس بمعجزي الله في ألأرض حيث أنّكم ماديون تسكنون ألأرض ولا بمعجزيه في السماء لَمّا تكونون أثيريين تنتشرون في الفضاء .
وقال تعالى في سورة الرحمن {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} وهذا القول يقال لهم يوم القيامة , والمعنى :إن استطعتم أن تخرجوا من جوانب السيارات والأرض اللاتي تمزّقن فاخرجوا .. إلخ ، وذلك لأنّ المحشر يكون في فضاء السيّارات المتمزّقة .
قال الله تعالى في سورة الرحمن {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} واصلها { ورِدَةً} بكسر الراء , والدهان جمع دهن, والدهن هي النقرة التي تكون بين جبلين , والمعنى : فإذا انشقّت السماوات الغازية حينئذٍ تكون السماء مورداً للنفوس فتجتمع فيها كما تجتمع مياه الأمطار في الدهان ,أي في النقر وذلك كقوله تعالى في سورة مريم {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} فالوِرد هو الوصول إلى محلٍّ أو مكان ، كما قال عمرو بن كلثوم :
وقال الله تعالى في سورة الانشقاق {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ . وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} يعني وألقت ما فيها من الناس والمخلوقات وتخلّت , يعني فرغت منهم لأنهم يحشرون في الفضاء . وقال تعالى في سورة الاعراف {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} يعني تخرجون من الأرض فلا يبقى أحدٌ فيها فكلّكم تصيرون إلى الفضاءونشربُ إن وَرَدْنا الماءَ صَفواً ويَشربُ غيرُنا كدراً وطِينا
من كتاب الانسان بعد الموت لمفسر القران محمد علي حسن الحلي الطبعة الثانية مطبعة المعارف- بغداد 1964



رد مع اقتباس