الأصل في الصدق والكذب ألا يكونا إلا خبر دون غيره من أنواع الكلام ؛ ولكن الأمر والنهي و الاستفهام وبقية أضراب الإنشاء تتضمن كذلك أخبار صادقة وكذابة ؛ ثم تؤول الكلام إلى الخبر ، فقولك : هل قرأت الكتاب ؟ يتضمن إخبارك بأنك تجهل أمر قراءة الكتاب ؛ وقد تكون صادقاً في هذا الخبر الضمني وقد تكون كذاباً وكذلك قولك ساعدني يساوي قولك أني محتاج إلى مساعدتك ، وقولك لا تسرقني ، يتضمن إخبارك بأن المخاطب يسرقك . وقد تكون صادقاً وقد تكون كاذباً في كل ذلك .
والصدق و الكذب كما يكونان في الأقوال يكونان كذلك في الأفعال ؛ إذ كل فعل ليس في الحقيقة إلا ترجمة عملية لرأي من الآراء .
وللصدق معنيين : أحدهما أن تكون أعمالنا وفق أقوالنا ، أي أذا قلنا فعلنا ؛ و أذا تعاقدنا نفذنا ، ( والمعنى أن ينوى الشخص الوفاء وان عجز بعده ) . ثانيهما أن تكون أقوالنا وفق أفكارنا أي بمعنى أننا نخبر بما نعتقد أن الحق ولو خالف الواقع ( على سبيل المثال ) ( أني سألت شخص عن معلومة أو خبر فحدثني بحديث وهو به كاذب وأنا له مصدق ونقلت الخبر أو إلى المعلومة إلى جهة أخرى فبالرغم من أن الخبر هو كذب إلا أن نقاله صادق به ) . ومن الجلي أن هنالك فرقاً بين هذين الإطلاقين : فقد يعد الرجل بما لا ينوي الوفاء به ، وهو بهذه الحالة كاذب ولكنه ليس كاذب على الإطلاق فقد يفي فعلاً بما وعد وللغزالي تقسيم أخر تمليه عليه النزعة الصوفية لفلسفته فهو يرى للصدق ستة أصناف ( صدق القول ، صدق النية والإرادة ، وصدق في العزم ، وصدق الوفاء بالعزم ،وصدق العمل وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها ) .
على أنه يجب أن نقولها كلمة صريحة هي أن الفصل بين الصدق والكذب هو الاعتقاد ففي علم الأخلاق لا يعتد في الحكم الأخلاقي بغير عقيدة الرجل الذي يخبر الخبر ؛ فإن طابق الخبر بما يعتقد فهو صادق و إلا فهو كذاب _ وسواء في هاتين الحالتين أن كان الخبر موافقاُ للواقع أم لم يكن كذلك . و شأن المخبر في نظر الأخلاقيين شبيه في بشا، المجتهد في نظر الأصوليين : إن أخطأ في أجتهاده فله أجر و أن أصاب فلهُ أجران ، اجر أجتهاده و أجر أصابته . فإذا ما قال المنافق على غير عقيدة ( محمد رسول الله ) كان كاذباً ولو أن الخبر بذاته صحيح [ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ]( المنافقون:1)
ولقد عرض لهذا الأمر علماء البلاغة في الكلام في تعريف الخبر بأنه ( ما أحتمال الصدق والكذب ) و الخلاصة في ما قالو ثلاث أقوال
1_ أن الصدق هو ما طابق الواقع ولو خالف الاعتقاد ؛ ويرى كثير منهم هذا هو أصوب الأقوال .
2_ أن الصدق هو ما طابق الواقع والاعتقاد ؛ وهذا هو قول الجاحظ
3_ أن الصدق هو ما طابق الاعتقاد ولو خالف الواقع ؛ وهذا رأي للنظام المعتزلي وهو من أئمة المعتزلة (هو إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام وُلد سنة777م في البصرة )
و الرأي الأخير هو الذي يعتقد به علم الأخلاق مع أن الفلاسفة يرونه سخيفاً ولكن رأي النظام جاء موافقاً لمذهبه المعتزلي الذي يرى حرية الإرادة والمسئولية .
منقول بتصرف من كتاب فسلفة الكذب
1932



رد مع اقتباس