من بين الأشخاص الأكثر تشنجاً عقلياً فكرياً هم أولئك الذين لا يستطيعون التمييز بين القرآن والحديث النبوي . وينسب القرآن والحديث الى نفس المصدر, (اي محمد ) فالكثير من أصحاب العقول الركيكة يدعون ان القرآن الذي جاء به محمد هو من تلقاء نفسه ومن نسج خياله .لكن هذا من لاعقل لهُ ولا تمييز على أقل حد وتعبير
فلو كان القرآن والحديث جاء به محمد من نفسه لو جدنا تقارب من حيث الأسلوب و القدرة والنوعية بين الحديث والقران.
فالقرآن الكريم هو الكلام الذي كلما كثر سماعه وتكرر يخف على المستمع سمعه وعلى النفس حلاوته ، ويبلغ من التأثير مبلغاً لا يصل إليه غيره من الكلام . ولا نعرف من جميع الآثار الشعرية والقصصية و أنواع النثر والبيان كلما زاد الناس له قراءة زادوا تأثراً به إلا القرآن . فهو منذ أربعة عشر قرناً يتلى ويعاد ولا يمل منه ولا ينضب علمه . فكم من مرة أنشدت قصيدة لأشهر الشعراء . وكم من مرة تأملها والناس وتعلمها الصغار ولكنها لم ترتقي من مرتبتها الشعرية قيد شعرة .
كلام واحد كلما أزداد تكراره أزداد تأثيره ، هو القرآن . ولا شيء يشبهه في هذه الميزة بين آداب الدنيا كلها وما كتب الكتاب من الأنس وما أوحى به الشيطان .
فالقرآن له قداسة لا يساويه كلام في نفوس المسلمين مما جعل الناس يقبلون على حفظه على مر السنين والقرون الماضية ، فذا يحفظ وذا يبحث فيه عن الأعجاز والأحكام مقبلُ عليه بعقله وجميع جوارحه ينهل من علمه الغزير المحفوظ بين دفتيه من حرف الباء الى السين .
و أما من يقول أن القرآن والحديث من مصدر واحد فهو مخطأ فهنالك فرق كبير و واضح بين هذا وذاك فالقرآن له أسلوب خاص فيه أعجاز وتناغم لا يوجد له شبيه في كلام النبي محمد ( عليه السلام) .
فالموجود من كتب الحديث ، التي وفرها المسلمون وتفرغوا لحفظ الكثير منها وكتابتها ودراستها لقرون وقرون مثل ما حافظوا على القرآن فأن صح أن النبي هو منشئ هذا القرآن والأحاديث فمن أين يأتي هذا الفارق الواضح في الأسلوب في مجموعة الألفاظ والتباين في التأثير بين الآية والحديث . أن للقرآن خصائص وأسلوب والحديث له أسلوب وخصائص تختلف عن القران بل أن حتى اللفظ في القرآن يختلف عن اللفظ في الحديث . فالمراتب البلاغية واضحة لكل صاحب عقل ونضج فكري .
لنأخذ نموذجين للمقارنة والتوضيح ففي خطبة حجة الوداع قال النبي محمد ( عليه السلام )
أيها الناس ! أسمعوا مني ما أبين لكم ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا .
أيها الناس : إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام ، إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .
فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب.
وإن دماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب .
وإن مآثر الجاهلية موضوعة ، غير السدانة والسقاية .
بين قول الله سبحانه وتعالى الذي يرجح أنه نزل في نفس الوقت [لْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ]( المائدة:3)
ويكفينا من هذين المقطعين أن يتبين لنا الفرق بين كلام النبي وكلام رب النبي جل في علاه فتبارك الله رب العالمين والسلام على جميع المرسلين